محمد بن ابراهيم النفزي الرندي

26

غيث المواهب العلية في شرح الحكم العطائية

وقيل لعمر ، رضي اللّه عنه ، لما سأل عنه قومه : ما فينا أخمل منه ذكرا ، فلما لقيه ، هو وعلي رضي اللّه عنهما ، وسأله من هو ؟ فقال له : راعي غنم ، وأجير قوم ، وستر ذكر « أويس » فلما سأله عن اسمه قال له : عبد اللّه ، فلما سأله عن اسمه الذي سمّته به أمه ، امتنع أن يجيبه عن ذلك ، فلما أخبراه بوصف النبي صلى اللّه عليه وسلم وأنهما عرفاه بذلك ، قال لهما : عسى أن يكون ذلك غيري ، فلما قالا له : أخبرنا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أن تحت منكبك الأيسر لمعة بيضاء ، وطلبا منه أن يوضحها لهما ، لم يجد بدّا « 1 » من أن يوضحها لهما ، وذلك ، واللّه أعلم ، ليريهما رؤية عين صحة قول النبي صلى اللّه عليه وسلم ، وصدقه في إخباره بالغيب ، وذلك أمر واجب عليه ، وإلّا فلعله كان يتعلل لهما كما فعله في كل شيء سئل عنه ، ثم بعد ذلك لمّا سأله عمر ، رضي اللّه عنه ، أن يتلقى معه ، ويجعل ذلك الموضع ميعادا بينه وبينه ، قال : يا أمير المؤمنين ، لا ميعاد بيني وبينك ، ولا أعرفك ولا تعرفني بعد اليوم ، ثم دفع الإبل إلى أصحابها وخلّى عن الرعاية . وكذلك فعل مع هرم بن حيان « 2 » ، رضي اللّه عنه ، لمّا لقيه بشاطىء الفرات ووقع بينهما التعرّف ، قال له : حدثني بحديث عن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم احفظه عنك . فقال له : لا أحبّ أن افتح هذا الباب على نفسي ، لا أحبّ أن أكون محدّثا ، ولا مفتيا ، ولا قاضيا . فلما فرغا من الكلام الذي كان بصدده سأله مداومة الاجتماع به ، فأبى ، وامتنع ، وقال له : لا أراك بعد اليوم تطلبني ، ولا تسأل عني ، انطلق ، أنت هاهنا حتى أنطلق أنا هاهنا ، ثم بعد ذلك اجتهد في طلبه والبحث عنه فلم يقع له على خبر . ومن عجيب أمره أن حقّق اللّه تعالى له هذا الحال من التخفّي والتستر ، وأتمّه له بعد موته مع ما أظهر بسببه من الآيات والعبر ، حينئذ قال عبد اللّه بن مسلمة « 3 » : غزونا

--> ( 1 ) البدّ : يقال : لا بد أن يكون كذا أي لا مفر ولا محالة . ( 2 ) هرم بن حيان العبدي الأزدي ( توفي بعد 26 ه - بعد 647 م ) من بني عبد القيس . قائد فاتح من كبار النساك . من التابعين ، كان أمير بني عبد القيس في الفتوح ، وولي بعض الحروب بأرض فاس وحاصر « بوشهر » سنة 18 ودخلها ، وكان من سكان البصرة ، وولاه عمر على الخيل فغضب يوما على رجل فأمر به فوجئت عنقه وندم ، وبعثه عثمان بن أبي العاص إلى قلعة بجرة فافتتحها عنوة ومات في إحدى غزواته . ( الأعلام 8 / 82 ، وأسد الغابة 5 / 57 ) . ( 3 ) عبد اللّه بن مسلمة بن قعنب الحارثي ( توفي 221 ه - 835 م ) من رجال الحديث الثقات ، من أهل المدينة ، سكن البصرة ، وتوفي فيها أو بطريق مكة . روى عنه البخاري 123 حديثا ومسلم 70 حديثا . ( الأعلام 4 / 137 ، وتهذيب الكمال 10 / 540 ، ووفيات الأعيان 3 / 40 ) .